بصمة…

by hazelnutdreamer

ظل يتأمل بصمة مرطب شفاهاها وردي اللون على كوب قهوتها الذي تركته واياه حول هذه الطاولة الصغيرة لتوها..

فاجأه صوت طرقات الكعب ليفيقه من شروده..

يتلفت وراءه فيجدها قادمة، تنظر إليه نظرة تملؤها الحيرة..

تهتف به “في حاجة ناقصة”

يبحث في عينها عن إجابة لتساؤلات كثيرة تدور في خلده دون أن يعبأ بملاحظتها.. ثم يرد بعد برهة: “مالك؟!”

تبدأ في سرد لا ينتهي “فاكر لما اتقبلنا اول مرة.. وانا عندي 11 سنة، وكنت بتحامى فيك من غلاسة ولاد النادي وبعدين بقينا نشجع بعض في الماتشات وبعدين بقينا صحاب .. صحاب أوي….”

تبدأ في الحديث حديثًا لا ينتهي عن مدى التغير الذي ألم بهما، يتحاورا.. يتشاركا الحديث ..

يعيدا الذكريات .. حتى حوارهما حول لعيبة الكورة منذ ثمان سنوات ومدحه نقدها الرياضي ..

*****

تفتح عينيها بتثاقل وألم يكاد يفتك برأسها..

ترى حولها ملامح تعرفها وتشعر بشيء ناعم شديد البرودة يوضع على جبهتها وصوت يأتي من بعيد: “سلامتك يا حبيبتي، معلش شدة وتزول”

“حرارتها 41.. المفروض ننقلها مستشفى مش هنقدر نعملها حاجة اكتر من كده”

تشعر بعيني امها تعانقانها وسط هذا الحديث ويدها الرقيق يمضي وسط خصلات شعرها..

*****

يقول: “تذكرين تلك الليلة التي تقابلنا فيها صدفة أنا وأنت وابن خالتي واخوتي” تذكرين نقاشاتنا حول الأهلي والزمالك وعندما غلب نادينا الزمالك” “تذكرين…”

*****

“عاملة ايه دلوقتي” لازال الصوت البعيد يتداخل في عقلها مع اصوات اخرى

“أحسن..” يأتي صوت امها “حرارتها بتنزل”

*****

“اتصلت بيكي ليلة سفرك ومردتيش”

“كنت نايمة، ونزلنا الفجر عشان الطيارة ملحقتش اتصل بيك تاني…”

“أنا مكنتش مصدق انك بجد هتسافري”

*****

“ماما، أحمد فين؟!” تسأل بصوت هامس وخائف

“أحمد مين يا حبيبتي؟”

تبكي بألم وتعيد السؤال “ماما، أحمد فين؟!”

“مالك يا حبيبتي، في ايه؟ مين احمد ده؟”

“أحمد يا ماما.. أحمد!” ثم تبكي ليفضي بها البكاء لغيبوبة اخرى

******

“كلمتك من موبايل صاحبتي لما اكتشفت طريقة، عارف اني عمري ما نسيت رقمك”

“وأنا عمري ما نسيتك، بس خفت تكوني نسيتيني”

“حد ينسى أعز أصحابه؟” “أنت كنت أخويا التوأم”

*****

“حرارتها بتنزل”

“بطلت تقول كلام ملوش معنى؟”

“آه، اسكتي، هتفوق اهيه”

*****

“أحمد، مستنتيش ليه؟ مش كنا متفقين.. أحمد ليه مشيت من غير ما تسلم؟”

“أحمد، دخلت على ايميلك بعد ما مشيت، صحابك بيحبوك اوي، كلهم كانوا لسه بيقولولك وحشتنا”

“أحمد، أنت مبتردش ليه”

تنهمر دموع بلا صوت ولا .. صدى

******

“بتفوق أهيه”

“مالك يا حبيبتي بتعيطي ليه؟”

تهتف بصوت يخنقه الدموع “كنت بحلم يا ماما..كنت بحلم”

ترتمي في حضن أم لم تعرف يوما ما جاش بصدرها ولم يعرفه أحد، ولا حتى هي..

******

تعتدل في جلستها وتنظر إليه بحزن “يعني كل ده محصلش!”

“أنا عمري كذبت عليكي ؟”

“لا”

“يبقى متسأليش السؤال ده!”

******************************************************

صوت طرقات الكعب على الطريق يصاحبه صوت أنثوي هادىء وملامح تحمل زينة هادئة “إزيك يا عمو، أحمد عملي مفاجأة السنة دي…زارني في عيد ميلادي”

“كبرنا يا عمو، مش مصدقة أنه عدى 5 سنين من ساعة ما مشي”

“أحلى حاجة أنه لسه زي ما هو يا عمو” تبتسم ابتسامة واسعة وهي تردف “متغيرش زينا”

على الطرف الأخر يبتسم الوالد ويدعو لها كما هي عادته “الله يكرمك يا بنتي يا رب ويحميكي لشبابك، انتي واللي زيك”

“ربنا يخليك لينا يا عمو”

يغلق الخط وتتابع الطرقات الهادئة ويستمر العالم في صخبه المعتاد، إلا أن هناك ابتسامة هادئة سرقها البحر من أهلها ليمنحها لآفاق العالم أجمع… ابتسامة أحمد !

———————————————————————————————————–

إلى أحمد، والعالم الذي لم يعرفه!

بحر اسكندرية

بحر اسكندرية

Advertisements